حسن بن موسى القادري
171
شرح حكم الشيخ الأكبر
--> - إليك ؟ فقال اللّه تعالى له : تقرّب إليّ بما ليس لي الذلة والافتقار انتهى . فالعبد معناه الذليل ، يقال : أرض معبّدة : أي مذللة . قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] : أي ليذلوا لي ، ولا يذل له من لا يعرفه ، ولذا فسّر ذلك ابن عباس بقوله : أي ليعرفوني فهو تفسير باللازم ، وإنما خص هذين الجنسين بالذكر ؛ لأنه لم يدع أحد الألوهية والتكبر على اللّه تعالى من سائر المخلوقات غيرهما ، ولم يتحقق بمقام العبودية على كماله أحدا مثل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان عبدا مخلصا في جميع الأحوال التي تخرجه عن مرتبته ؛ ولذا شهد اللّه تعالى له بأنه عبد مضاف إليه بقوله : وإنه لما قام عبد اللّه سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [ الإسراء : 1 ] ، ولما أمره تعالى بتعريف مقامه يوم القيامة قال : « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » بالراء : أي ما قصدت الفخر عليكم بالسيادة ، بل أردت تعريفكم بشري لكم ؛ إذ أنتم مأمورون باتّباعي . وروي : « ولا فخز » بالزاي : أي ما قلته متبجح ؛ إذ الفخز : التبجح بالباطل في صورة الحق ، فالعبد مع الحق في حال عبوديته كالظل مع الشخص في مقابلة السراج ، كلما قرب من السراج عظم الظل ، ولا قرب من اللّه إلا بما هو لك لا له ، وكلما بعد من السراج صغر الظل ، ولا يبعدك عن الحق إلا خروجك عن صفتك التي تستحقها ، وطمعك في صفته تعالى . قال الشيخ الشعراني في رسالة الأنوار القدسية في معرفة أدب العبودية : واعلم أن سبب تعدي العبد عن حدوده كونه مخلوقا على الصورة ، وللّه تعالى العزة والكبرياء والعظمة فسرن هذه الأحكام في العبد تحقيقا للواقع ، والكامل من العبيد هو الذي لا يصرفه خلقه على الصورة عن الفقر والذلة والعبودية ؛ لما يعرف من نفسه من العجز والضعف والافتقار إلى أدنى الأشياء ، والسّالم من قرصة برغوث ، وهذا يدركه كل إنسان من نفسه ذوقا ، فليحذر العبد من رؤية نفسه على أحد من رعيته ، ولو عبده الذي في رقه ؛ لأنه ربما يكون عند اللّه أحسن منه حالا ، كما ورد في الحديث ، وليحذر من قوله : تجعل رأسك برأسي أو مثلك بمثلي أو غير ذلك ، فإن هذا كله دليل على الجهل والقساوة والكبر ، واللّه لا يحب المتكبرين . ولو لم يكن في ذلك إلا أن اللّه تعالى يكرهه لكان ذلك كافيا في الزجر ؛ لأن العبيد كلهم حرمهم ورقيقهم ملك له تعالى ، لا فضل لأحد على أحد إلا بما فضّله سيده به ، وهو لا يعلم إلا بوحي ، فالزم الذل وترك الزجر لعبدك وخدمك إن كنت عبد اللّه انتهى . وانظر : شرح الحكم الكردية للشيخ الشرقاوي ( 137 ) بتحقيقنا .